الشيخ محمد رشيد رضا

81

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« بطانة » الرجل وليجته وخاصته الذين يستبطنون أمره ويتولون سره ، مأخوذ من بطانة الثوب وهو الوجه الباطن منه ، كما يسمى الوجه الظاهر ، ظهارة . و « مِنْ دُونِكُمْ » معناه من غيركم و « يألونكم » من الإلو ، وهو التقصير والضعف ، و « الخبال » في الأصل الفساد الذي يلحق الحيوان فيورثه اضطرابا كالأمراض التي تؤثر في المخ فيختل ادراك المصاب بها أي لا يقصرون ولا ينون في إفساد أمركم والأصل في استعمال فعل « ألا » ان يقال فيه نحو « لا آلو في نصحك » وسمع مثل « لا آلوك نصحا » على معنى لا أمنعك نصحا ؛ وهو ما يسمونه التضمين . و « عنتم » من العنت وهو المشقة الشديدة و « البغضاء » شدة البغض أما سبب النزول : فقد أخرج ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس قال « كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية فأنزل اللّه فيهم ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم هذه الآية » وأخرج عبد بن حميد انها نزلت في المنافقين . وروى ابن جرير القولين عن ابن عباس وذكر الرازي وجها ثالثا انها في الكافرين والمنافقين عامة قال « وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية . فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عاما وآخرها إذا كان خاصا لم يكن خصوص آخر الآية مانعا من عموم أولها » وسيأتي عن ابن جرير ترجيح الأول وأما المعنى فهو نهى المؤمنين أن يتخذوا لأنفسهم بطانة من الكافرين الموصوفين بتلك الأوصاف على القول بأن قوله « لا يألونكم » الخ نعوت للبطانة هي قيود للنهي وكذا على القول بأنه كلام مستأنف مسوق للتعليل ، فالمراد واحد وهو أن النهى خاص بمن كانوا في عداوة المؤمنين على ما ذكر ، وهو انهم لا يألونهم خبالا وإفسادا لأمرهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا . فهذا هو القيد الأول ، والثاني قوله عز وجل « وَدُّوا ما عَنِتُّمْ » أي تمنوا عنتكم أي وقوعكم في الضرر الشديد والمشقة . والثالث والرابع قوله « قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر » أي قد ظهرت علامات بغضائهم لكم من كلامهم ، فهي لشدتها مما يعوزهم كتمانها ، ويعز عليهم اخفاؤها ، على أن « تفسير آل عمران » « 6 » « س 3 ج 4 »